حضورك مع نفسك هو باب الفتح Your Presence With Yourself Is the Door
في المقال الأول نظرنا إلى العالم باعتباره مرآة.
وفي المقال الثاني وصلنا إلى أن خلق واقع جديد لا يبدأ بالضرورة من محاولة تغيير ما حولك، بل
من إدراك ما يحتاج أن يتغير فيك.
لكن بقي السؤال الأهم:
كيف أعرف أصلاً ما يحدث في داخلي؟
كيف أعرف الخوف الذي يقودني وأنا أسميه حذرًا؟
أو التعلق الذي أسميه حبًا؟
أو الهروب الذي أسميه انشغالًا؟
أو حاجتي إلى إثبات نفسي وأنا أظن أنني فقط إنسان طموح؟
كيف أرى شيئًا أصبح قريبًا مني إلى درجة أنني لم أعد أراه؟
هنا يبدأ الحضور.
أنت مع نفسك طوال الوقت.. لكن هل أنت حاضر معها؟
قد تبدو الجملة غريبة.
كيف يمكن ألا أكون حاضراً مع نفسي وأنا لا أفارق نفسي لحظة؟
لكن راقب يومًا واحدًا من حياتك.
كم مرة أكلت وأنت لا تكاد تشعر بما تأكل؟
كم مرة قادك جسدك إلى هاتفك قبل أن تنتبه أنك فتحته؟
كم مرة تحدثت مع إنسان بينما جزء كبير من انتباهك مشغول بما ستقوله بعد أن ينتهي؟
كم مرة غضبت، ثم اكتشفت بعد دقائق أو ساعات أن ما خرج منك كان أكبر كثيراً من
الموقف؟
وكم مرة قلت ((نعم» بينما كان شيء فيك يريد أن يقول «لا»؟
17
نحن موجودون مع أنفسنا طوال الوقت..
لكننا لسنا بالضرورة حاضرين معها.
وهناك فرق.
الحضور يبدأ قبل التفسير
تخيل أن أحدهم قال لك كلمة أزعجتك.
في لحظات، قد تبدأ سلسلة كاملة:
ماذا يقصد؟
لماذا قالها بهذه الطريقة؟
هل يتعمد التقليل مني؟
ماذا ينبغي أن أقول؟
وهل أواجهه أم"
أتجاهله؟
لكن قبل كل هذه القصة..
حدث شيء.
ربما انقبض صدرك.
تغير تنفسك.
اشتد فكك.
تسارعت ضربات قلبك.
شعرت بحرارة في وجهك.
ثم جاء الفكر وأعطى ما يحدث اسما وقصة ومعنى.
الحضور هو قدرتك على أن تكون موجودًا بما يكفي لتشهد هذه الحركة وهي تحدث.
قبل أن تصبح القصة هي الحقيقة الوحيدة التي تعرفها.
لا يعني ذلك أن القصة خاطئة بالضرورة.
ولا أن إحساسك غير حقيقى.
بل يعني فقط:
18
شاهد أولًا.
ثم افهم.
ثم اختر.
ما غاب عنك.. قد يقودك
وهنا نقترب من معنى شديد الأهمية في معرفة النفس.
ليس أخطر ما في داخلك هو ما تعرفه وتراه.
بل أحيانًا ما لا تعرف أنك لا تراه.
الخوف الذي يقود قرارك بينما تظن أنك حر.
الجرح القديم الذي يدخل معك علاقة جديدة.
الحاجة إلى القبول التي تجعلك نتنازل ثم تغضب ممن تنازلت من أجله.
الخوف من الفقد الذي يجعلك نتشبث بما يؤلمك.
أو احتياجك إلى أن تكون قويًا دائماً، حتى لم تعد تعرف كيف تطلب المساعدة.
وهنا أجد معنى قريبًا مما أشار إليه كارل يونج في حديثه عن النفس:
ما يبقى غير واعِ في الداخل قد يظهر للإنسان في حياته وكأنه قدر يلاحقه.
ولهذا فالحضور ليس رفاهية.
إنه الضوء الذي تبدآ به رؤية ما كان يعمل في الظلام.
ما كان مجهولًا يبدأ أن يصبح معلومًا.
وما كان غائبًا يبدأ أن يصبح مشهودًا.
ولا يعني أنك ستغيره فورًا.
لكن شيئا بالغ الأهمية حدث بالفعل:
لقد رأيته.
يا صاحبي.. لا تحوّل الحضور إلى محاولة أخرى لإصلاح نفسك
هذه واحدة من أكثر الفخاخ التي قابلتها في رحلة الوعي.
19
سمع عن الحضور..
ننحوله فورا إلى مشروع جديد.
يجب أن أكون حاضرًا.
يجب ألا أغضب.
يجب أن أتوقف عن التفكير.
يجب أن أكون هادئًا.
يجب أن أتخلص من خوفي.
ثم يصبح «الإنسان الحاضر» صورة جديدة نحاول أن نصل إليها.
فنغيب عن أنفسنا بالصورة..
ونحن نحاول أن نكون حاضرين!
الحضور ليس أن تجبر نفسك على حالة معينة.
لحضور أن تكون موجودًا مع الحالة التي أنت فيها بالفعل.
إن كنت خائفًا..
احضر مع الخوف.
إن كنت غاضبًا..
احضر مع الغضب.
إن كان عقلك مزدحمًا..
شاهد الازدحام.
إن كنت تقاوم ما يحدث..
فابدأ بشهود المقاومة نفسها.
لا تحتاج في اللحظة الأولى أن تصلح شيئاً.
ولا أن تبرر شيئا.
ولا حتى أن تفهم كل شيء.
كن هنا أولًا.
«وفي أنفسكم أفلا تبصرون)
20
يقول القرآن:
(وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)
وآعود هنا إلى القرآن من المكان نفسه الذي آشرت إليه في المقال السابق: استشهد به لما آراه فيه
من هداية للناس، ومن حكمة تتجاوز اختلاف الأزمنة والأماكن والثقافات.
وتأمل معي اختيار الكلمة:
تبصرون.
لم يقل هنا: أفلا تغيرون أنفسكم.
ولا: أفلا تصلحونها.
البداية هي أن تبصر.
أن ترى.
أن يصبح ما كان يجري فيك بصورة آلية شيئا تستطيع أن تشهده.
وربما لهذا كان البصر إلى الداخل من أصعب أنواع البصر.
من السهل أن ترى غضب الآخر.
أصعب أن ترى خوفك تحت غضبك.
من السهل أن ترى تعلق الآخر بك.
أصعب أن ترى احتياجك إلى احتياجه إليك.
من السهل أن ترى كيف يكرر الناس أنماطهم..
أصعب أن تمسك نفسك وأنت تدخل دائرتك للمرة الألف..
وتقول:
ها هي.
دون ذنب.
دون خزي.
دون تبرير.
فقط بصدق.
21
ابدأ من جسدك
وإذا سألتني:
كيف أبدأ ؟
فسأقول لك:
ابدأ بما هو حاضر الآن.
خذ نفسًا.
ولا تحاول أن تجعله أعمق.
فقط اشعر به.
أين تشعر به في جسدك؟
هل كتفاك مرتاحان أم مرفوعان؟
مل فكك مسترخِ ام مشدود؟
هل بطنك لين ام منقبض؟
هل تستطيع أن تشعر بقدميك الآن؟
لا تحاول تغيير شيء.
لاحظ فقط.
ثم انتبه:
ما الشعور الموجود الآن؟
وما الأفكار التي تمر؟
وما الذي أقاومه؟
وما الذي أتشبث به؟
لا تبحث عن إجابة ذكية.
ربما لا تعرف.
فشاهد أيضًا:
«لا أعرف.»
22
هذه بداية كافية.
بين ما يحدث.. وما تفعله بما يحدث
كلما ازداد حضورك، قد تبدأ في ملاحظة أمر بالغ الدقة.
هناك لحظة بين ما يحدث لك..
وبين ما تفعله بما حدث.
وقد اشتهرت في أدبيات الوعي والتنمية الإنسانية عبارة جميلة تلخص هذا المعنى:
«بين المثير والاستجابة مساحة.. وفي هذه المساحة تكمن قدرتنا على الاختيار.»
عبارة نُسبتِ طويلًا إلى الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، وإن لم تثبت عنه بهذه الصياغة، لكنها
تقترب كثيرا من جوهر رؤيته عن الحرية الداخلية للإنسان.
وقد تكون هذه «المساحة» صغيرة جدًا في البداية.
كلمة تُقال.
انقباض.
غضب.
اندفاع للرد.
وقد تمر سريعًا إلى درجة أنك لا تراها أصلًا.
المثير..
ثم الاستجابة المعتادة.
وكأن الاثنين شيء واحد.
لكن مع الحضور تبدأ المسافة بينهما في الظهور.
وهنا يولد الاختيار.
ألا تفعل تلقائيًا ما كنت تفعله دائماً.
قد تظل غاضبًا..
لكن لا تجرح.
23
قد تظل خائفًا..
لكن لا تجعل الخوف وحده يختار.
قد تشعر بالتعلق..
لكن لا تمسك الآخر من رقبته حتى يطمئنك.
قد تشعر بالرغبة في الهرب..
وتبقى لحظة أخرى.
وهذه المساحة الصغيرة..
قد تكون بداية حرية كبيرة.
الحضور ليس انسحابًا من الحياة
الحضور لا يعني أن تجلس طوال اليوم مغمض العينين.
ولا أن تصبح أقل نشاطًا أو أقل حركة أو أقل مشاركة في العالم.
بالعكس.
قد تعمل.
وتبني.
وتحب.
وتكسب.
وتخسر.
وتسافر.
وتربي أبناءك.
وتدخل الأسواق والاجتماعات والعلاقات.
لكن الفرق أنك لا تكون غائبًا تمامًا عن نفسك وأنت تفعل كل ذلك.
تتعلم أن تعيش العالم..
دون أن تفقد نفسك داخله.
وهنا يصبح كل شيء تدريبًا على الحضور.
24
الطعام.
المشي.
العمل.
الحوار.
الخلاف.
النجاح.
الخسارة.
الحب.
والوحدة.
كل لحظة تقول لك:
هل أنت هنا؟
حضورك مع نفسك هو بداية العودة
ربما قضيت سنوات تبحث عن نفسك.
في الكتب.
في العلاقات.
في النجاح.
في السفر.
في المعلمين.
في التجارب.
في محاولات لا تنتهي لتصبح نسخة أفضل منك.
وقد يكون لكل هذا مكانه.
لكن هناك لقاء لا يستطيع أحد أن يقوم به نيابة عنك.
أن تجلس يومًا مع نفسك..
كما هي.
25
لا كما ينبغي أن تكون.
لا كما تريد للناس أن يروها.
ولا كما صنعتها قصتك عنها.
ومنذ قرون، توقف الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال أمام شيء قريب من هذا، حين رأى أن جانبًا
كبيرًا من شقاء الإنسان يأتي من عجزه عن البقاء ساكنًا، وحده، في غرفة.
كتب ذلك قبل الهاتف المحمول..
وقبل وسائل التواصل..
وقبل هذا العالم الذي أصبح قادرًا على أن يمنحنا شيئًا نهرب إليه في كل لحظة.
ومع ذلك، يبدو السؤال اليوم أكثر قربًا:
ماذا يحدث لك حين لا تجد شيئًا تنشغل به عن نفسك؟
حين لا يوجد هاتف تمسكه.
ولا شخص تتحدث إليه.
ولا عمل تنجزه.
ولا فيلم تشاهده.
ولا مشكلة تحاول حلها.
ولا هدف تركض نحوه.
فقط ..
أنت.
هل تستطيع أن تبقى؟
ليس المطلوب أن تحب كل ما ستجده.
ولا أن يكون عقلك صامتًا.
ولا أن تشعر بالسلام.
المطلوب في البداية أبسط من ذلك:
أن تكون حاضرًا.
26
مع هذا النفس.
وهذا الجسد.
وهذه الحظة.
وهذا الذي يحدث الان.
ثم الذي بعدها.
ثم الذي بعدها.
ومن هنا تبدأ المعرفة.
ومن المعرفة يبدأ الاختيار.
ومن الاختيار يبدأ التحول.
ومن التحول..
قد يولد واقع جديد.
حضورك مع نفسك هو باب الفتح.
وربما تكون أمتع رحلة يمكنك أن تخوضها..
هي رحلة العودة إلى من كان معك طوال الطريق...
أنت.
27