Abdul-Rahman Abdullah عبدالرحمن عبدالله
|
About Abdul-Rahman عن عبدالرحمن عبدالله Personal Transformation Mentorship برنامج المرافقة التحولية الشخصية Presence Academy أكاديمية "حضور"
|
→ زاد الرحلة← Fuel for the Journey

لن يتغير واقعك حتى يتغير فيك شيء Your Reality Will Not Change Until Something in You Does

في المقال السابق تحدثنا عن العالم باعتباره مرآة.
ليس لأنك صنعت كل ما يحدث حولك، ولكن لأن لقاءك بما يحدث قد يكشف لك شيئًا عما
يحدث داخلك.
والآن يأتي السؤال:
إذا نظرت في المرآة ولم يعجبك ما رأيت.. فأين يبدأ التغيير؟
ربما قضينا جزءًا كبيرًا من حياتنا نحاول تغيير الصورة.
نريد أن يتغير الآخر.
أن تتغير الظروف.
أن تأتي الفرصة.
أن تنتهي المشكلة.
أن نحصل على المال.
أن تنجح العلاقة.
أن يقدرنا الناس.
وأحيانًا يكون تغيير الخارج ممكنًّا ومطلوبًا بالفعل.
تترك علاقة تؤذيك.
تغيّر عملًا لم يعد يناسبك.
تضع حدًا.
تقول (لا)).
تتعلم مهارة.
تأخذ قرارًا.
تتحرك.
ليس المقصود أن نجلس أمام الحياة وننتظر أن يحدث كل شيء داخلنا.
لكن ربما تعرف أنت أيضًا هذه التجربة..
8
يتغير المشهد.. وتبقى القصة نفسها.

حين تتغير الوجوه وتبقى القصة

تخرج من علاقة لأنك شعرت أنك غير مُقدَّر..
ثم تدخل علاقة أخرى..
وبعد فترة تجد الشعور نفسه.
تترك عملًا لأنك تشعر أنك مضغوط طوال الوقت..
ثم تنتقل إلى مكان جديد..
وبعد شهور يعود التوتر نفسه بصورة مختلفة.
تحقق هدفاً كنت تنتظره لسنوات.
تفرح.
ثم يهدأ كل شيء..
ويبدأ العقل في البحث عن الهدف التالي.
تقول:
عندما أصل إلى هناك سأرتاح.
فتصل ..
وتكتشف أن «هناك)» تحركت مرة أخرى.
أكثر.
أفضل.
أكبر.
ثم أكثر قليلا.
ليس لأن تغيير الخارج بلا قيمة.
ولكن لأنك أخذت نفسك معك إلى الخارج الجديد.
بنفس مخاوفك.
بنفس تشبثك.
بنفس احتياجك إلى الإثبات.
بنفس الطريقة التي تستقبل بها الرفض.
بنفس علاقتك بالنجاح والفشل.
بنفس ما تهرب منه..
وبنفس ما تظن أنك لن تكون بخير إلا إذا حصلت عليه.
فتتغير الديكورات..
وتبقى المسرحية، في جوهرها، كما هي.

واقع جديد.. أم صورة جديدة للواقع القديم؟

وهنا أحب يا صاحبي أن تفرق بين أمرين:
أن تتغير ظروف حياتك..
وأن يتغير واقعك.
قد تكسب مالًا أكثر، بينما يزداد خوفك من فقده.
قد تدخل العلاقة التي تمنيتها، ثم تصبح أسيرًا للخوف من خسارتها.
قد تحقق نجاحًا كبيرًا، وتظل في داخلك تحاول إثبات أنك تستحق أن تكون هنا.
وقد نتغير أشياء قليلة جدًا في الخارج..
بينما يحدث داخلك تحول يجعل الحياة نفسها تُعاش بصورة مختلفة تمامًا.
لذلك حين أتحدث عن خلق واقع جديد، لا أقصد أن تتعلم كيف تجعل الحياة تنفذ رغباتك.
ولا أن أفكارك وحدها ستجعل العالم يعيد ترتيب نفسه وفق ما تريد.
بالنسبة لي، الأمر يبدأ من مكان آخر:
10
لا واقع جديد بدون إنسان جديد.

شيء ما فيك عليه أن يتغير

يقول القرآن:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمِ حَتَّى يُغَيِرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
وحين أستشهد هنا بالقرآن، فأنا لا أقدمه باعتباره كتابًا يخص طائفة من الناس دون غيرها.
فالقرآن يصف نفسه بأنه:
(هُدّى لِلنَّاسِ)
وأتعامل مع هذه الهداية باعتبارها حكمة يمكن للإنسان أن يقف أمامها ويتدبرها، بما يتجاوز اختلاف
الأزمنة والأماكن والثقافات.
ومن هذا المكان أتوقف أمام التعبير:
(مَا بِأَنفُسِهِمْ}
فربما ليس العالم هو أول ما يحتاج إلى التغيير.
ربما هناك شيء في الطريقة التي تستقبل بها العالم يحتاج أولاً أن يُدرك.
الخوف الذي يقود اختياراتك.
التعلق الذي يجعلك تمسك بما انتهى.
المقاومة التي تجعلك تخوض حربًا لن تغير شيئًا فيما حدث بالفعل.
الحاجة المستمرة إلى أن يراك الآخرون بطريقة معينة.
السعي الذي لا يعرف متى يكتفي.
القصة القديمة التي ما زلت تدخل بها كل علاقة جديدة.
أو الصورة التي صنعتها عن نفسك، ثم أصبحت مضطرا طوال الوقت إلى حمايتها.
حين يتغير شيء من هذا..
لا يعني أن الحياة ستسير بالضرورة كما تريد.
11
لكنك لن تعود الشخص نفسه في استقبال النجاح والفشل، والربح والحسارة، والقوة والضعف.
وهذا فارق كبير.

قد يبقى الخارج كما هو. ويتغير الواقع

قد يقول لك الشخص الكلام نفسه..
لكنه لا يصيب المكان نفسه فيك.
قد تواجه عدم اليقين نفسه..
الكن جسدك لا يدخل حالة الطوارئ نفسها.
قد تفقد شيئًا تحبه..
فتتألم، ولكنك لا تفقد نفسك معه.
قد يأتي النجاح..
فتستمتع به دون أن تجعله دليلًا على قيمتك.
وقد يأتي الفشل..
فتتعلم منه دون أن تجعله حكمًا على وجودك.
قد تحب إنسانًا بكل قلبك..
دون أن يصبح مجيئه نجاتك ورحيله هلاكك.
هنا لم تصبح الحياة تحت سيطرتك.
أنت أصبحت أكثر حرية في استقبالها.
ومن هذه الحرية يبدأ واقع جديد.

من الظلمات إلى الشهود

ولعل من أجمل الصور التي أتأملها في هذا المعنى قصة يونس.
يقول القرآن:
12
(فَنَادَى فِي الظُّلْمَاتِ أَن لَا إِلَّه لَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)
تأمل معي يا صاحبي:
الظلمات.. الظالمين.
كلمتان تلتقيان في اللسان في الجذر نفسه:
ظ ل م
كان يونس في ظلمات حقيقية من حوله.
لكنني أتأمل معها ما حدث في داخله.
في قلب الظلمات جاء النداء:
(لَا إِلَهُ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ)
ثم جاء الإقرار:
(إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)
توحيد وتسليم..
ثم شهود لما في النفس.
ليس جلدًا للذات، ولا غرقاً في الذنب.
بل لحظة صدق أصبح فيها شيء في النفس مشهودًا.
ثم تأتي الآية التالية:
* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجْيّنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذَٰلِكَ نُنِي الْمُمِنِينَ)
وتوقف معي عند التعبير:
(وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ
فالنجاة هنا لا تُروى فقط بوصفها خروجا من ظرف خارجي.
هناك غمّ أيضًا زال.
ولهذا أرى في قصة يونس صورة شديدة الجمال لما نتحدث عنه:
13
قد تجد نفسك في ظلمات لم تخترها كلها.
لكن داخل هذه الظلمات قد يصبح شيء فيك مشهودًا لم يكن مشهودًا من قبل.
ومن هذا الشهود..
قد تبدأ حركة جديدة تمامًا.

التغيير ليس دائماً إضافة

اعتدنا أن نبحث عن التغيير في شيء جديد نضيفه إلى أنفسنا.
معرفة جديدة.
مهارة جديدة.
طريقة جديدة.
هدف جديد.
نسخة «أفضل» من أنفسنا.
لكن بعض أعمق التحولات لا تأتي من إضافة شيء..
بل من سقوط شيء.
أن يسقط خوف كنت تطيعه.
أن تخف قبضة قصة قديمة عليك.
أن ترى وهمًا كنت تعيش داخله.
أن تتوقف عن محاولة إثبات شيء لم يعد يحتاج إلى إثبات.
أن تسمح لما انتهى أن ينتهي.
أن نتوقف عن مطاردة ما ظننت طويلاً أن سعادتك معلقة به.
أحيانًا لا تحتاج إلى أن تصبح شخصًا آخر.
تحتاج أن تتحرر قليلا مما يحجب عنك نفسك.
ولكن.. كيف أعرف ما الذي يحتاج أن يتغير فيّ؟
14
هنا يصبح السؤال أكثر دقة.
لأننا نستطيع بسهولة أن نحول «تغيير أنفسنا)) إلى مشروع جديد للهروب منها.
نرفض خوفنا.
نقاوم غضبنا.
نحاول التخلص من حزننا.
نصنع صورة للإنسان الواعي الذي ينبغي أن نكونه..
م نحاكم أنفسنا لاننا لم نصل إليها.
فنعود إلى الدائرة نفسها..
لكن هذه المرة باسم التطور والوعي.
لذلك قبل أن تسأل:
« كيف أغير نفسي؟)
ربما يوجد سؤال يسبق هذا كله:
«هل أنا حاضر مع نفسي بما يكفي لأعرفها أصلًا؟)
هل أستطيع أن أشهد خوفي قبل أن أحاول التخلص منه؟
أن أشعر بانقباض جسدي قبل بحثي عن الدواء؟
أن أرى قصتي وهي تتكون قبل أن أصدقها أو أكذبها؟
أن ألاحظ تشبئي دون أن أبرره؟
أن أرى مقاومتي دون أن أقاومها هي الأخرى؟
لأنك لا تستطيع أن تتحرر مما لا تراه.
ولا تستطيع أن تعرف ما يحتاج إلى التغيير وأنت غائب عن الإنسان الذي تريد تغييره.
ولهذا..
15
قبل التغيير يأتي الشهود.
وقبل الشهود يأتي الحضور.
حضورك مع نفسك هو باب الفتح.
وهذا حديث المقال القادم، بمشيئة اللّه.
16

المقال التاليNext