العالم من حولك مرآتك أنت The World Around You Is Your Mirror
بكل ما فيه من انتظام وفوضى.
بكل ما فيه من جمال وقبح.
بكل ما فيه من حقيقة وزيف.
بكل ما فيه من عسر ويسر.
العالم من حولك مرآتك أنت.
ربما تبدو هذه الجملة، للوهلة الأولى، مبالغة.
فالعالم مليء بأشياء لم تخترها أنت، وأحداث لم تصنعها، وأشخاص لهم إرادتهم وقصصهم
واختياراتهم.
فكيف يكون كل هذا مراتك؟
أن يكون العالم مرآتك لا يعني أنك السبب في كل ما يحدث فيه.
ولا يعني أن كل من ظلمك هو مجرد «إسقاط منك»، أو أن مرضًا أصابك، أو خسارة وقعت لك،
أو فوضى حدثت حولك، قد صنعتها بأفكارك.
ولا يعني أن الآخرين لا وجود لهم إلا في خيالك، أو أنهم غير مسؤولين عن أفعالهم.
المقصود أعمق من ذلك.
أنت لا ترى العالم فقط.. أنت ترى نفسك فيه
تخيل أن شخصين يمران بالتجربة نفسها.
بفقدان الشيء نفسه.
يسمعان الكلمات نفسها.
يدخلان المكان نفسه.
يقابلان الشخص نفسه.
ومع ذلك..
2
يخرج كل واحد منهما بواقع مختلف.
ما كان عند أحدهما تهديدًا، رآه الآخر فرصة.
ما أيقظ في أحدهما الغضب، أيقظ في الآخر الحزن.
وما اعتبره أحدهما كوبًا فارغًا، اعتبره الآخر كوبًا به ما يحتاجه ليرتوي.
الحدث واحد.. لكن التجربة ليست واحدة.
لأنك لا تستقبل العالم من فراغ.
أنت تلتقي به من خلال تاريخك، وذاكرتك، وجسدك، ومخاوفك، ورغباتك، وتوقعاتك،
واحتياجاتك، وقصصك القديمة عن نفسك وعن الآخرين.
تلتقي به من خلال ما تعلّم جهازك العصبي أن يعتبره أمانًا أو خطرًا.
ومن خلال ما تنتبه إليه وما تغفل عنه.
وما تقبله وما تقاومه.
ومن هنا يبدأ معنى المرآة.
فالعالم لا يعرض عليك نفسه فقط..
إنه يكشف لك أيضًا الطريقة التي تعيش بها أنت داخله.
ما يحدث في الخارج.. وما يحدث فيك
راقب نفسك في يوم عادي.
شخص لم يرد على رسالتك.
ماذا حدث في داخلك؟
ربما لم يحدث شيء.
وربما بدآت قصة كاملة:
«هو لا يقدّرني.»
«فعلت شيئًا أغضبه.»
«الناس دائمًا تتركني.»
«سأريه أنني لا أحتاج إليه.»
عدم تلقي رد على الرسالة حدث خارجي حصل فعلًا.
أما العالم الذي نشأ بداخلك حول هذا الحدث..
فهنا المرآة.
ماذا خفت؟
ماذا توقعت؟
ما القصة التي أخبرتها لنفسك؟
وأي جزء فيك هو الذي استقبل ما حدث بهذه الطريقة؟
مثال آخر..
شخص أمامك نجح.
هل فرحت؟
هل قارنت؟
هل انقبض شيء فيك؟
هل ظهر صوت يقول إنك تأخرت؟
هل احتجت أن تقلل من نجاحه حتى تستعيد شعورك بقيمتك؟
مرة أخرى..
نجاحه يخصه.
أما ما تحرك فيك أمام نجاحه، فيخصك أنت.
وهنا يصبح العالم من حولك معينًا لك على معرفة عالمك الداخلي.
ليس لأن الخارج وهم.
بل لأن لقاءك بالخارج يكشفك لك.
4
وهذا المعنى يقترب مما أشار إليه عالم النفس كارل يونج حين تحدث عن تلك القاعدة النفسية التي
تجعل ما يبقى مجهولًا في داخل الإنسان يظهر له في الخارج وكأنه قدر.
وكأن ما لم يصبح معلومًا فيك..
يظل قادرًا على قيادتك دون أن تدري.
تكرر الاختيار نفسه.
وتدخل الدائرة نفسها.
وتستجيب بالطريقة نفسها.
ثم تنظر إلى تكرار المشهد وتقول:
«هذا قدري.»
بينما قد يكون بعض ما تسميه قدرًا، بابًا لم يُفتح بعد في معرفة نفسك.
يا صاحبي.. المرآة ليست اتهامًا
حين تدرك أن العالم مرآتك، انتبه ألا يتحول هذا الفهم إلى طريقة جديدة للوم نفسك.
ليس المقصود أن تقول:
حدث لي هذا لأن وعيي منخفض.
ظلمني لأن شيئا مظلمًا بداخلي استدعى الظلم.
مرضت لأن أفكاري ليست سليمة.
فشلت لأنني لم أكن (في الوعي الصحيح».
هذه الطريقة قد تحول طريق الوعي نفسه إلى عبء جديد من الذنب والخزي ومحاولة السيطرة على
الحياة.
المرآة ليست محكمة..
المرآة أداة للشهود.
فبدلًا من أن تسأل أمام كل ما يحدث:
5
«ما الخطأ في الذي صنع هذا؟»
جرّب أن تسأل:
«ماذا يكشف لي هذا الواقع عن عالمي الداخلي وما يحدث فيه؟»
وستجد يا صاحبي أن هناك فرقًا كبيرا بين السؤالين.
الأول يبحث عن الأحكام.
والثاني يبحث عن العرفان.. معرفة النفس.
الأول يبحث عن الذنب.
والثاني يفتح باب التوبة.
الأول يبحث عن المثالية.
والثاني يبحث عن المسؤولية الواعية والمصداقية.
انظر في المرآة
ربما لهذا لا تحتاج في كل مرة يهتز فيها عالمك أن تبدأ بمحاولة تغييره.
قبل أن تغيّر ..
شاهد.
حين يغضبك أحدهم، شاهد ما تحرك فيك.
حين تخاف، شاهد.
حين نتعلق، شاهد.
حين تُرفض، شاهد.
وحين تنجح وتُمدح ويأتيك ما تمنيت.. شاهد أيضًا.
لا لتدين نفسك.
ولا لكي تجد تفسيرا لكل شيء.
بل لكي تعرف نفسك أكثر.
6
فكل يوم تعيشه يحمل إليك مرايا لا حصر لها
في علاقاتك.
في عملك.
في المال.
في النجاح والفشل.
في الحب والفقد.
ما يجذبك..
وفيما تنفر منه.
وقد تمر أمام هذه المرايا طوال حياتك منشغلًا بجاولة تغيير الصور التي تظهر فيها.
أو نتوقف يومًا..
وتنظر.
فربما يكون العالم الذي تحاول تغييره منذ سنوات، يدعوك أولاً إلى أن ترى الإنسان الذي يقف
أمامه.
ومن هنا تبدأ الرحلة،
المقال التاليNext